فصل: تفسير الآيات (19- 22):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



أحدها: كان قوم من المسلمين لشدّة غيظهم على الكفار يستبطؤن ما وعد الله رسوله من النصر فنزلت.
ثانيها: قال مقاتل: نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أنّ الله لا ينصر محمدًا فينقطع الذي بيننا وبين حلفائهنا من اليهود فلا يميروننا.
ثالثها: أنّ حساده وأعداءه كثيرة وكانوا يتوقعون أن لا ينصره وأن لا يعينه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك {وكذلك} أي: ومثل ما أنزلنا هذه الآيات لبيان حكمها وإظهار أسرارها {أنزلناه} أي: القران الباقي وقوله تعالى: {آيات بينات} أي: معجزًا نظمها كما كان معجزًا حكمها حال وقوله تعالى: {وأنّ الله} أي: الموصوف بالإكرام كما هو موصوف على محل {أنزلناه}.
ولما قال تعالى: {وأنّ الله يهدي من يريد} أنبعه ببيان من يهديه ومن لا يهديه، وبدأ بالقسم الأوّل بقوله: {إن الذين آمنوا} بالله ورسوله وعبر بالفعل ليشمل الإقرار باللسان الذي هو أدنى وجوه الإيمان ثم شرع في القسم الثاني بقوله تعالى: {والذين هادوا} أي: انتحلوا دين اليهودية {والصابئين} وهم فرقة من النصارى سميت بذلك قيل: لنسبتها إلى صابي عم نوح عليه السلام، وقيل: لخروجهم عن دين إلى دين لآخر، وإطلاق الصابئة على هذا هو المشهور وتارة يوافقونهم في أصول دينهم فتحل مناكحتهم وتارة يخالفونهم فلا تحل مناكحتهم وتطلق أيضًا على قوم أقدم من النصارى يعبدون الكواكب السبعة ويضيفون الآثار إليها وينفون الصانع المختار فهؤلاء لا تحل مناكحتهم وقد أفتى الإصطخري والمحاملي بقتلهم لما استفتى القاهر الفقهاء فيهم فبذلوا له أموالًا كثيرة فتركهم والبلاء قديم وقرأ نافع بالياء التحتية بعد الباء والباقون بهمزة مكسورة بعد الباء الموحدة {والنصارى} أي: الذين انتحلوا دين النصرانية {والمجوس} قال قتادة: هم عبدة الشمس والقمر والنيران قال: {والذين اشركوا} هم عبدة الأوثان قال مقاتل: الأديان كلها ستة واحد للرحمن وهو الإسلام، وخمسة للشيطان وقيل: خمسة، أربعة للشيطان، وواحد للرحمن بجعل الصابئين مع النصارى لأنهم فرع منهم كما مر على المشهور وقد تقدّم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة {إنّ الله} الذي هو أحكم الحاكمين {يفصل بينهم يوم القيامة} بإدخال المؤمنين الجنة وغيرهم النار وأدخلت إنَّ على كل واحد من جزأى الجملة لزيادة التأكيد ونحوه قول جرير:
إنّ الخليفة إنّ اللَّه سربله ** سربال ملك به ترجى الخواتيم

ثم ذلك بقوله تعالى: {إن الله} أي: الجامع لجميع صفات الكمال {على كل شيء} من الأشياء كلها {شهيد} أي: عالم به علم مشاهدة {ألم تر} أي تعلم {أن الله يسجد له} أي: يخضع منقادًا لأمره سبحانه مسخرًا لما يريد منه تسخير من هو في غاية الإجتهاد في العبادة والإخلاص فيها {من في السماوات ومَنْ في الأرض} إن خصصت بذلك العاقل أفهم خضوع غيره من باب أولى وإن أدخلت غير العاقل فبالتغليب ثم أتبعه بأشرف ما ذكر مما لا يعقل لأنّ كلًا منهما عبد من دون الله أو عبد شيء منه فقال تعالى: {والشمس والقمر والنجوم} من الأجرام العلوية فعبد الشمس حمير، والقمر كنانة، والدبران تميم، والشعري لخم، والثريا طيىء، وعطارد أسد، قاله أبو حيان، روى عن عمرو بن دينار قال: سمعت رجلًا يطوف بالبيت ويبكي فإذا هو طاووس فقال أعجبت من بكائي؟ قلت: نعم. قال: ورب الكعبة إن هذا القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له.
ثم أتبع ذلك أعلى الذوات السفلية فقال: {والجبال} أي: التي قد نختت منها الأصنام {والشجر} أي: التي عبد بعضها {والدواب} أي: التي عبد منها البقر، كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله ولا تأبى عن تدبيره {وكثير من الناس} وهم المؤمنون بزيادة الخضوع سجد سجودًا هو منه عبادة مشروعة فحق له الثواب {وكثير} أي: من الناس {حق عليه العذاب} وهم الكافرون؛ لأنهم أَبَو، السجود المتوقف على الإيمان {ومَن يُهن الله} أي: يُشْقِهِ {فما له من مكرم} أي: مسعد، لأنه لا قدرة لغيره أصلًا {إنّ الله} أي: الملك الأعظم {يفعل ما يشاء} من الإكرام والإهانة، لا مانع له من ذلك، نقل عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: إنّ رجلًا يتكلم في المشيئة فقال له على يا عبد الله خلقك الله لما يشاء أو لما شئت؟ قال بل لما يشاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو ءذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
قوله: {وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس} فيه أوجهٌ:
أحدُها: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه: ويَسْجُدُ له كثيرٌ من الناس. وهذا عند مَنْ يمنعُ استعمالَ المشتركِ في معَنيْيه، أو الجمعَ بين الحقيقة والمجازِ، في كلمةٍ واحدةٍ؛ وذلك أنَّ السجودَ المسندَ لغيرِ العقلاءِ غيرُ السجود المسندِ للعقلاءِ، فلا يُعْطَفُ {كثيرٌ من الناس} على ما قبلَه لاختلافِ الفعلِ المسندِ إليهما في المعنى. ألا ترى أنَّ سجودَ غيرِ العقلاءِ هو الطَّواعيةُ والإِذعانُ لأمرِه، وسجودَ العقلاءِ هو هذه الكيفيةُ المخصوصةٌ.
الثاني: أنَّه معطوفٌ على ما تقدَّمه. وفي ذلك ثلاثةُ تأويلاتٍ أحدُها: أنَّ المرادَ بالسجودِ القَدْرُ المشتركُ بين الكلِّ العقلاءِ وغيرِهم وهو الخضوعُ والطواعيةُ، وهو من بابِ الاشتراكِ المعنويِّ. والتأويلُ الثاني: أنه مشتركٌ اشتراكًا لفظيًّا، ويجوز استعمالُ المشتركِ في معنييه. والتأويلُ الثالث: أنَّ السجودَ المسندَ للعقلاءِ حقيقةٌ ولغيرِهم مجازٌ. ويجوز الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ. وهذه الأشياءُ فيها خلافٌ، لتقريرِه موضوعٌ هو أليقُ به من هذا.
الثالثُ من الأوجه المتقدمة: أن يكونَ {كثيرٌ} مرفوعًا بالابتداء. وخبرُه محذوفٌ وهو مُثابٌ لدلالة خبرِ مقابلِه عليه، وهو قوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب} كذا قَدَّره الزمخشريُّ. وقَدَّره أبو البقاء: مُطيعون أو مُثابون أو نحوُ ذلك.
الرابع: أَنْ يرتفعَ {كثيرٌ} على الابتداء أيضًا، ويكون خبرُه {من الناس} أي: من الناس الذين هم الناسُ على الحقيقةِ، وهم الصالحون والمتَّقون.
والخامسُ: أن يرتفعَ بالابتداء أيضًا. ويُبالَغَ في تكثير المحقوقينِ بالعذاب، فيُعطفَ {كثيرٌ} على {كثير} ثم يُخْبَرَ عنهم بـ: {حَقَّ عَلَيْهِ العذاب} ذكر ذلك الزمخشري. قال الشيخ: بعد أن حكى عن الزمخشريِّ الوجهين الآخرين قال: وهذان التخريجان ضعيفان ولم يُبَيِّنْ وجهَ ضعفِهما.
قلت: أمَا أوَّلُهما فلا شكَّ في ضعفِه؛ إذ لا فائدةَ طائلةٌ في الإِخبارِ بذلك.
وأمَا الثاني فقد يظهر: وذلك أنَّ التكريرَ يفيد التكثيرَ، وهو قريبٌ مِنْ قولهم: عندي ألفٌ وألفٌ، وقوله:
لو عُدَّ قبرٌ وقبرٌ كنتَ أَكْرَمَهم

وقرأ الزهري {والدواب} مخففَ الباءِ. قال أبو البقاء: ووجهُها: أنه حَذَف الباءَ الأولى كراهيةَ التضعيفِ والجمعِ بين ساكنين. وقرأ جناح بن حبيش و{كبيرٌ} بالباء الموحدة. وقرئ: {وكثيرٌ حقًّا} بالنصب.
وناصبُه محذوفٌ وهو الخبرُ، تقديرُه: وكثير حَقَّ عليه العذابُ حقًّا. {والعذابُ} مرفوع بالفاعلية. وقرئ: {حُقَّ} مبنيًّا للمفعولِ.
وقال ابن عطية: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب} يحتمل أن يكونةَ معطوفًا على ما تقدَّم أي: وكثير حَقَّ عليه العذابُ يسجد أي كراهيةً وعلى رَغْمِه: إما بظلِّه، وإمَا بخضوعِه عند المكاره. قلت: فقوله: معطوفٌ على ما تقدَّم يعني عطفَ الجملِ لا أنه هو وحدَه عطفٌ على ما قبله، بدليلِ أنه قَدَّره مبتدًا. وخبرُه قوله: {يَسْجد}.
قوله: {وَمَن يُهِنِ الله} من مفعولٌ مقدمٌ، وهي شرطيةٌ. جوابُها الفاءُ مع ما بعدها. والعامَّةُ على {مُكْرِمٍ} بكسرِ الراء اسمَ فاعل. وقرأ ابن أبي عبلة بفتحِها، وهو اسمُ مصدرٍ أي: فما له مِنْ إكرام. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرض وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}.
أهل العرفان يسجدون له سجودَ عبادة، وأربابُ الجحود كُلُّ جزءٍ منهم يسجد له سجودَ دلالة وشهادة.
وفي كل شيءٍ له آيةٌ ** تَدُلُّ على أنه واحدُ

. اهـ.

.تفسير الآيات (19- 22):

قوله تعالى: {هذانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أرادوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما قسم الناس إلى مخالف ومؤالف، أتبعه جزاءهم بما يرغب المؤالف ويرهب المخالف على وجه موجب للأمر بالمعروف الذي من جملته الجهاد لوجهه خالصًا فقال: {هذان} أي الساجد والجاحد من جميع الفرق {خصمان} لا يمكن منهما المسالمة الكاملة إذ كل منهما في طرف.
ولما أشار بالتثنية إلى كل فرقة منهم صارت- مع كثرتها وانتشارها باتحاد الكلمة في العقيدة- كالجسد الواحد، صرح بكثرتهم بالتعبير بالجمع فقال: {اختصموا} أي أوقعوا الخصومة بغاية الجهد، ولما كانت الفرق المذكورة كلها مثبتة وقد جحد أكثرهم النعمة، قال: {في ربهم} أي الذي هم بإحسانه إليهم معترفون، لم يختصموا بسبب غيره أصلًا، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب- الذين هم أول من برز للمخاصمة بحضرة رسول الله- صلى الله عليه ورضي عنهم- للكفرة من بني عمهم: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، في غزوة بدر- أولى الناس بهذه الآية لما روي في الصحيح عن أبي ذر- رضي الله عنهم- «أنه كان يقسم أنها نزلت فيهم، ولذلك قال- رضي الله عنهم-: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن عز وجل يوم القيامة للخصومة» أخرجه البخاري في صحيحه، ولعله- رضي الله عنهم- أول الثلاثة، قام لمنابذتهم النبي- صلى الله عليه وسلم- فإنه كان أشبّهم.
ولما ذكر خصومتهم وشرطها، ذكر جزاءهم عليها في فصل الأمر الذي قدم ذكره، وبدأ بالترهيب لأن الإنسان إليه أحوج فقال: {فالذين كفروا} منابذين لأمر ربهم {قطعت} تقطيعًا لا يعلم كثرته إلا الله، بأيسر أمر ممن لا أمر لغيره {لهم} الآن وهيئت وإن وافقوا مراد ربهم بمخالفتهم أمره {ثياب من نار} تحيط بهم وهي على مقاديرهم سابغة عليهم كما كانوا يسلبون الثياب في الدنيا تعاظمًا وتكبرًا حال كونهم {يصب} إذا دخلوها {من فوق رؤوسهم الحميم} أي الماء الحار حرارة لا يدري مقدارها إلا بالذوق- أعاذنا الله منه، واستأنف الإخبار عنه بقوله: {يصهر} أي يذاب، وأصله المخالطة الشديدة {به} من شدة حرارته {ما في بطونهم} من شحم وغيره {والجلود} فيكون أثره في البطن والظاهر سواء {ولهم مقامع} جمع مقمعة بكسر ثم فتح، وهي عمود حديد يضرب به الرأس والوجه ليرد المضروب عن مراده ردًا عنيفًا، ثم نفى المجاز بقوله: {من حديد} أي يقمعون بها {كلما أرادوا} أي كلهم فالبعض بطريق الأولى {أن يخرجوا منها} أي من تلك الثياب أو من النار.
ولما كان السياق لخصومة أولياء الله المتصفين بما هو مقصود السورة من التقوى للكفار، المنابذين لها بكل اعتبار، اقتضى ذلك بشارة للأولياء ونذارة للأعداء- قوله زيادة على ما في السجدة: {من غم} عظيم لا يعلم قدر عظمه إلا الله {أعيدوا}، كل من {فيها} كأنهم يضربون بلهيب النار فيرفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفًا- قاله الحسن، أو أنهم يضطربون في تلك الثياب المقطعة من النار إلى أن يكادوا أن ينفصلوا منها وهم في النار ثم يردون كما كانوا، وذلك أشد في العذاب، مقولًا لهم: ارجعوا صاغرين مقاسين لغمومها {وذوقوا عذاب الحريق} أي العذاب البالغ في الإحراق. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{هذانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}.
القراءة: روي عن الكسائي {خَصْمَانِ} بكسر الخاء، وقرئ {قُطّعَتْ} بالتخفيف كان الله يقدر لهم نيرانًا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، قرأ الأعمش: {كُلَّمَا أرادواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ رُدُّواْ فِيهَا} الحسن {يُصْهَرُ} بتشديد الهاء للمبالغة، وقرئ {وَلُؤْلُؤًا} بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤًا كقوله وحورًا عينًا ولؤلؤًا بقلب الهمزة الثانية واوًا، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: {هذان خَصْمَانِ اختصموا}، والجواب: الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، فقوله: {هذان} للفظ واختصموا للمعنى كقوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ} [محمد: 16].
المسألة الثانية:
ذكروا في تفسير الخصمين وجوهًا: أحدها: المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عباس رضي الله عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة {في رَبّهِمْ} أي في ذاته وصفاته وثانيها: روي أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابًا ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدًا، فهذه خصومتهم في ربهم وثالثها: روى قيس ابن عبادة عن أبي ذر الغفاري رحمه الله أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقال على عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة.
ورابعها: قال عكرمة: هما الجنة والنار قالت النار خلقني الله لعقوبته.
وقالت الجنة خلقني الله لرحمته فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن كان خاصًا فالواجب حمل الكلام على ظاهره قوله: {هذان} كالإشارة إلى من تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة، وأيضًا ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم ونبيهم ما حكيناه فقد أخطأ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله: {إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} [الحج: 17] أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكمًا فبين الله تعالى حكمه في الكفار، وذكر من أحوالهم أمورًا ثلاثة: أحدها: قوله: {قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ} والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله: {لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] عن أنس، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذًا من قوله تعالى: {سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ} [إبراهيم: 5] وأخرج الكلام بلفظ الماضي كقوله تعالى: {وَنُفِخَ في الصور} [الكهف: 99]، {وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق: 21] لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع.
وثانيها: قوله: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهمْ الحميم} يصهر به ما في بطونهم والجلود، الحميم الماء الحار، قال ابن عباس رضي الله عنهما لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها، يصهر أي يذاب أي إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم وهو أبلغ من قوله: {وَسُقُواْ مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ} [محمد: 15].
وثالثها: قوله: {وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} المقامع السياط وفي الحديث: «لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها» وأما قوله: {كُلَّمَا أرادواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا} فاعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج والمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها، ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفًا وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق، والحريق الغليظ من النار العظيم الإهلاك. اهـ.